مي زيادة

الأديبة ( مي زيادة ) وسيكولوجية الابداع 
الاستاذ المساعد الدكتور عصام عبد العزيز المعموري - معهد اعداد المعلمين - بعقوبة - العراق 
..............................................................................................................

كثيرا" ما يتهم العباقرة من المفكرين والفلاسفة والمخترعين والأدباء والفنانين والمبدعين بشكل عام بأن أغلبهم ، إن لم نقل جميعهم ، يتسمون بشخصية عصابية وأنهم يتميزون بغرابة الأطوار ، وان الغالبية العظمى منهم كانت تعاني الاضطرابات ولو لفترة محدودة 00 لماذا يتهم العبقري أو المبدع بأنه عصابي ؟ أحتفظ بكتاب ممزق الغلاف من بعض الصفحات ، مما جعلني أجهل اسم مؤلفه ، لكنني أعتقد أنه ( د0 قاسم حسين صالح ) ، وكان المؤلف يتناول في كتابه هذا الإبداع في الأدب والفن ، وكان يقارن فيه بين المبدع والعصابي بقوله : ( إن المبدع كالعصابي ينسحب من واقع لا يرضاه إلى دنيا الخيال ولكنه يختلف عن العصابي بكونه يعرف كيف يقفل منه راجعا" ليجد مقاما" راسخا" في الواقع ) ، ويقدم لنا د0 يوسف ميخائيل أسعد في كتابه ( سيكولوجية الإبداع في الفن والأدب ) تفسيرا" لعصابية العبقري أو المبدع وهو تفسير على ما أعتقد قد تفرد به عن غيره من المنظرين بتقسيمه الصحة النفسية للأفراد بشكل عام إلى ثلاث مراتب : المرتبة الأولى هي مرتبة السوية Normality والتي ننعتها لأنها الحالة العادية التي تتأتى لجميع الناس الذين لايثير سلوكهم أي ارتياب أو اندهاش ، فالشخص السوي هو الشخص العادي ، أو هو الشخص الذي لا تثير تصرفاته أو أفكاره سخطنا أو انفعالنا ضده ، أما المرتبة الثانية فهي مرتبة ماتحت السوية Sub Normality ، وهي الحالة التي ننعتها بالمرض النفسي أو العقلي أو العصبي ، فجميع الانحرافات النفسية التي تتصف بالانحراف عن الجادة إنما تقع في إطار المرتبة الثانية 0 أما المرتبة الثالثة من مراتب الصحة النفسية حسب رأي د0يوسف ميخائيل فهي مرتبة فوق السوية Super Normality ، وهي الحالة التي يكون فيها المرء في مستوى أعلى من مستوى الناس العاديين ، فالشذوذ الذي ينسب للعباقرة والمبدعين يشير في الواقع إلى الوقوع في إطار هذه المرتبة الثالثة من مراتب الصحة النفسية 0 ولو طبقنا ماتقدم من تفسيرات للإبداع لكل من د0قاسم حسين صالح ود0يوسف ميخائيل أسعد على الأديبة العربية ( مي زيادة ) صاحبة الصالون الأدبي المسمى باسمها لوجدنا الكثير مما يؤيد تفسيرهما ، إذ يتناول د0 يوسف ميخائيل حياة هذه الأديبة قائلا" : ( كانت مي آنسة لبنانية تكتب العربية والفرنسية وتقابل الرجال وتتحدث إلى الأدباء وأهل الفكر ويتحدثون إليها ، وفيهم أكثر من أعزب عاش حياته بلا زوجة ، وهم جميعا" بين متزوج وأعزب ، يضطربون في مجتمع لاتبدو فيه المرأة إلا كالطيف ، وإذا أسفرت واحدة من النساء ، كانت كالمحجبة تماما" ، لأنها لاتحسن حديثا" يشوّق الرجل المثقف أو يمتعه، أو يثير خياله ، أو يوحي إليه أو يلهمه بفكرة أو عاطفة أو خاطرة 0لذلك فقد تجمع حولها عدد غير قليل من الرجال ، بعضهم مثلها من لبنان وسوريا كخليل مطران وداود بركات وأنطون جميل وشبلي شميل ونجيب هواويني ، وبعضهم من مصر كلطفي السيد وعباس العقاد ومصطفى عبد الرازق ومصطفى صادق الرافعي وأمين واصف 0 وكانت تتبادل مع بعض هؤلاء الرسائل ، ومن هذه الرسائل ، ومما نشر عن أحاديث الندوة ، تحس أن هذه الأحاديث تكاد تكون غزلا" مستورا" بين صاحبة الدعوة وزائريها ، فالجميع يحاولون التودد إليها في تحفظ واحتياط ، وهي تستثير عواطفهم ، إذ تتلطف معهم ، وتقترب وتبتعد منهم بعد الآخر ، وفي حضور الآخرين ، فيكون لهذه اللعبة – لعبة الحب المستور – نشوة في نفوس هؤلاء المحرومين من المرأة في الصورة التي تمثلها ( مي ) ويخرج كل منهم من الندوة ، وهو أسعد حالا" وأطيب نفسا" 0 ولعل بعضهم كان يخرج من هذه الندوة وهو يحسب أنه ظفر بودها بأكثر مما ظفر سواه ) 0
ويقول المفكر المصري ( سلامة موسى ) عن الأديبة ( مي زيادة ) : ( إن مؤلفات الأديبة مي زيادة كثيرة ، ولكنها كانت في حديثها أبرع وأذكى مما كانت في جميع ما كتبت ، وكنت أقول لها أن السبب لتفوق حديثها على مقالاتها أنها شرقية تخاف في الكتابة أن تبوح بكل ما تفكر فيه ، ولكن هذا الخوف يزول عنها في الحديث ، وقد يتساءل القارئ هنا ولم لم تتزوج (مي ) مع جمالها وثقافتها ؟ فالجواب أنها كانت تعيش في وسط شرقي ، ولو كانت مي قد نشأت في برلين أو باريس أو لندن لوجدت الكثيرين ممن ينشدون الشرف والسعادة بالزواج منها والفخر والمجد بالتصاق تاريخهم بتاريخها ، ولكن إخواننا اللبنانيين على الرغم من عصريتهم ، مايزالون شرقيين ولم يستطيعوا أن يسيغوا زوجة تستقبل ضيوفها في صالون أدبي له حرية الصالونات الأدبية في المناقشة والاختلاط ، وبكلمة أخرى نقول : إن مي عاشت عمرها قبل ميعاده بخمسين سنة )0
وهكذا نرى أن هذه الأديبة العربية قد دفعت ثمنا" باهظا" من صحتها للتوفيق بين المتعارضات التي كانت تعيش في داخلها ، فأرادت أن تكون عربية بعقلها ، شرقية بوجدانها ، فدفعت ثمن هذا التمزق آلاما" ، كانت ثمن صدقها مع نفسها وحيرتها بين الناس 0 ففي ليلة من ليالي شهر أكتوبر عام 1941 تعلن الممرضة أن المريضة ( مي زيادة ) يضيق تنفسها ، ويحاول الطب عبثا" إنقاذها ، ثم تنطوي آخر صفحة من هذه الحياة العجيبة لأديبة عربية


أنت أيها الغريب 


أنا و أنت سجينان من سجناء الحياة
و كما يُعرف السُجناء بأرقامهم يُعرف كل حي باسمه.
و قد التقينا وسط جماعات المتفقين فيما بينهم على الضحك من سواهم حيناً ، و الضحك بعضهم من بعض أحياناً .
أنا منهم و إياك غير أن شبهك بهم يسوءني . لأني إنما أقلدهم لأريك وجهاً مني جديداً . و أنت ، أتجاريهم بمثل قصدي أم الهزء و الاستخفاف فيك طوية و سجية ؟
و لكن رغم انقباضي للنكتة منك و الظرف ، و رغم امتعاضي للتغافل منك و الحبور ، أراني و إياك على تفاهم صامت مستديم يتخلله تفاهم آخر يظهر في لحظات الكتمان و العبوس و التأثر .
بنظرك النافذ الهادئ تذوقتُ غبطة من له عينٌ ترقبه و تهتم به . فصرتُ ما ذكرتك إلا ارتدت نفسي بثوبٍ فضفاض من الصلاح و النبل و الكرم ، متمنيةً أن أنثر الخير و السعادة على جميع الخلائق .
لي بك ثقةٌ موثوقة ، و قلبي العتي يفيضُ دموعاً . 
سأفزع إلى رحمتك عند إخفاق الأماني ، و أبثّك شكوى أحزاني – أنا – التي تراني طروبةً طيارة ، و أحصي لك الأثقال التي قوّست كتفي و حنت رأسي منذُ فجر أيامي – أنا التي أسير بجناحين متوجةً بإكليل .
و سأدعوك أبي و أمي متهيبةً فيك سطوة الكبير و تأثير الآمر ،
و سأدعوك قومي و عشيرتي ، أنا التي تعلم أن هؤلاء ليسو دوماً بالمحبين .
و سأدعوك أخي و صديقي ، أنا التي لا أخ لي ولا صديق .
و سأُطلعك على ضعفي و احتياجي للمعونة ، أنا التي تتخيل فيّ قوة الأبطال و مناعة الصناديد .
و سأبيّن لك افتقاري إلى العطف و الحنان ، ثم أبكي أمامك و أنت لا تدري .
و سأطلبُ منك الرأي و النصيحة عند ارتباك فكري و اشتباك السبل .
و إذ أسيءُ التصرف و أرتكب ذنباً ما سأسير إليك متواضعة واجفة في انتظار التعنيف و العقوبة .
و قد أتعمّد الخطأ لأفوز بسخطك عليّ فأتوب على يدك و أمتثل لأمرك .
و سأُصلح نفسي تحت رقابتك المعنوية مقدمة لك عن أعمالي حساباً لأحصل على التحبيذ منك أو الاستنكار ، فأسعدُ في الحالين .
و سأُوقفك على حقيقة ما يُنسبُ إليّ من آثام ، فتكون لي وحدك الحكم المنصف .
و ما يحسبه الناس لي فضلاً و حسنات سأبسطه أمامك فنبهني إلى الغلط فيه و السهو و النقصان.
ستقوّمني و تسامحني و تشجعني ، و تحتقر المتحاملين و المتطاولين لأنك تقرأُ الحقيقة منقوشة على لوح جناني .
كما أُكذّب أنا وشاية منافسيك و بُهتان حاسديك ولا أُصدق سوى نظرتي فيك و هي أبرُّ شاهد .
كل ذلك و أنت لا تعلم !
سأستعيدُ ذكرك متكلماً في خلوتي لأسمع منك حكاية غمومك و أطماعك و آمالك . حكاية البشر المتجمعة في فرد أحد .
و سأتسمّع إلى جميع الأصوات عليّ أعثر على لهجة صوتك.
و اشرِّح جميع الأفكار و امتدح الصائب من الآراء ليتعاظم تقديري لآرائك و فكرك .
و سأتبين في جميع الوجوه صور التعبير و المعنى لأعلم كم هي شاحبة تافهة لأنها ليست صور تعبيرك ومعناك .
و سأبتسم في المرآة ابتسامتك .
في حضورك سأتحولُ عنك إلى نفسي لأفكر فيك ، و في غيابك سأتحول عن الآخرين إليك لأفكر فيك .
سأتصورك عليلاً لأشفيك ، مصاباً لأعزيك ، مطروداً مرذولاً لأكون لك وطناً و أهل وطن ، سجيناً لأشهدك بأي تهور يجازف الإخلاص ، ثم أُبصرك متفوقاً فريداً لأفاخر بك و أركن إليك .
و سأتخيلُ ألف ألف مرة كيف أنت تطرب ، و كيف تشتاق ، و كيف تحزن ، و كيف تتغلب على عاديّ الانفعال برزانة و شهامة لتستلم ببسالة و حرارة إلى الانفعال النبيل ، و سأتخيل ألف ألف مرة إلى أي درجة تستطيع أنت أن تقسو ، و إلى أي درجة تستطيع أنت أن ترفق لأعرف إلى أي درجة تستطيع أنت أن تحب .
و في أعماق نفسي يتصاعد الشكر لك بخوراً لأنك أوحيتَ إليّ ما عجز دونه الآخرون .
أتعلم ذلك ، أنت الذي لا تعلم ؟
أتعلم ذلك ، أنت الذي لا أريد أن تعلم ؟

 
.. مي زيادة


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق