ذكريات عمر أكلته الحروف

الكتاب : ذكريات عمر أكلته الحروف
نجيب المانع
الإنتشار العربي
1999
251 صفحة
طبع الكتاب على نفقة الأستاذ حمدي نجيب

الكتاب مذكرات نشرت في الشرق الأوسط من سنين ونشرت في هذا الكتاب بعد موت المؤلف فجأة
هو صديق للسياب ، كتب عندما نهر السياب متسولا ، كتب عن العراق وعن الفشل الذي قابله في حياته ، عن عشقه للمتنبي وللسمفونيات ، ومن الحكم التي قالها عنما تحدث عن ديوان المتبي وشكسبير وكثير من الكلاسيكيات ، أنك لا تستطيع أن تقول أنني قرأتها إذا قرأتها للمرة الخمسين ، من يقرأها مرة واحدة فهو مثل الذي يقول زرت اسطنبول وهو فقط مر فوقها بالطائرة ، ومن يقرأها للمرة لثانية فهو ممثل الذي يقول أني زرت أثينا ، وهو مر بها للترانسيت .
و من طريف الكاتب : نشر المتاب مسلسلا في الشرق الأوسط ، وفي حلقة من الحلقات ، نشر رسالة يقول أنها أتته من أحد القراء ، عبأها بكل عيوبه ـ عيوب المانع طبعا ـ

وهذا بعض ما كتب …

القارئ يشبه طاغية يسامره الكاتب بعد عناء يوم أمضاه الطاغية في الصيد أو حكم الناس ، وهو في حالة ارتياحه ليلا يطالب مسامرة الكاتب أن يحدثه بالطريف والرائع …

والنثر عمل يقدم أفكارا بينما يقدم الشعر المواقف والمواقف لا تحتاج إلى حضارة بل ربما تحركه نفحة همجية


ولا اعتقد أن الطبيعة تملك طاقة تدميرية تعادل طاقة الإنسان على التدمير ، التدمير الإنساني لا يكمن في قدرة الإنسان على قتل إنسان آخر فحسب ، بل قتل مكوناته الفكرية ، في قتل أسئلته ، في قتل محولاته لتصحيح مساره ، في قتل توجهه نحو الحقيقة ، قبل قتله جسديا .

… ولكن أفظعها في تضاريس حياتي هو النوع الدستوفسكي من الكتاب ، مع هذا المخلوق ترى البؤس فرحا والمهانة كبرياء والتمزق صحة .
النوع الدستوفسكي الذي يقف على قمة هذا الكاتب المدوخ ، دستوفسكي ، لا تدري معه هل أنت في صحبة شرير أم إنسان بلغ أعلى درجات النقاوة والبراءة ، لا بل أن دستوفسكي هو أعلى درجات النقاوة التى تحمل شرا أو أعلى درجات الشر الذي يحمل نقاوة
دستوفسكي إعصارا من عواطف ، بركان يغلي في الحريق والتدمير ، ولكن كما يحدث مع بعض البراكين فإن حممها التي تحرق الأخضر واليابس تتحول بعد زمن إلى مواد تخصب الأرض أخصابا عجيبا
أية وسوسات و صرحات وهمهمات أقضت مضجعي ونغصت على النوم أطلقها حروف هذا الكاتب الذي صافحني بيد دامية واستضافني على طعام قوامه إحدى رئتيه ! …..

ولكن الذي أبان لي قوة اكتساحه أعظم من قوتي الدفاعية هو دستوفسكي : هذا إلى وجد عندي ترحيب بعض المدن لغزاتها المحررين ، ففي علاقتي بالمبدعين لم أقدم مفتاح الدينة إلا لأثنين : المتنبي ودستوفسكي ، عقدة المتنبي في نظري هي كبرياء الوجود مع كبرياء الإنجاز ، فأودع عندي برياء الوجود وحدها وتركني أحاول إنجازا لا يتمشى معها …
أما دستوفسكي فقد لعب في مصيري على هواه
أتعب دستوفسكي النقاد والمحللين والنقاد النفسيين وعلى رأسهم فرويد . فعنده شخوص تسعى نحو المهانة وترتمي فوق فراش من العذاب
.. تلستوي رسام الطبيعة أما دستوفسكي فرسام ما وراء الطبيعة
مازال دستوفسكي يمسك بخناقي ولا يستطيع فكاكا منه ، فأنا ، مثل بعض شخوصه ، وأجد في احتياجاته حرية ، وفي هدره سلاما وفي تمزقه نسيجا حريريا . إن دستوفسكي هو الصافح المصافح ، هو الذي كتب فنا يسد كل الطرق الأرضية ويفتح طريقا بعرض الأرض كلها هو طريق النفس البشرية . دستوفسكي دواء مر شفاء عظيم ومرض مؤلم هو عين الصحة .
وما الرواية إن لم تكن الحياة وقد صعدت تصعيدا يجعل منها بقاء بينما الحياة الفعلية زوال ، ويكون منها حقيقة والحياة الفعلية وهم ، ويرتفع بها إلى مثال و الحياة الفعلية اعتيادية وقصور !


يقول بعض الفلاسفة إن الإنسان هو ما يفعل وقد أحببت أن أفعل شيئا مجيدا غير أن لي نفسا من اليسير إحباطها وكسرها ولحسن حظي أن ليس لي أعداء كثيرون فيعرفوا سر تحطيمها . إنها نفس تكفي كلمة واحدة لقتلها ، على أن كلمة واحدة تكفي لإعادة العافية لها ، فأنا لا أمتلك نفس المتنبي الذي يقول :
وفي الجسم نفس لا تشيب بشيبه ::::: ولو أن في الوجه منه حراب
ولها ظفر أن كل ظفر أعده :::::: وناب إذا لم يبق في الفـم نـاب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق