ابراهيم جبرا ابراهيم

• جبرا إبراهيم جبرا :
أنظر إلي الحداثة ، وما بعدها ، وما بعدها ، فأتذكره !
--------------------------------------------------
* في مثل هذا اليوم : 12/12 رحل جبرا عن عالمنا العام 1994 ...

-------------
" آه ... !
أي خوف كبير عانيت من أجله 
وما نفع دمي إذا ما مت أنت ؟
أيستطيع عصفور الطيران دون هواء ؟
إذن ... ،
لن أستطيع أبدا أن أقول لك 
كم أحبك !! " .
- لوركا - 
جبرا إبراهيم جبرا ،( 1920-1994) وتعني جبرا في الآرامية القوة والشدة ، هو في الأصل من السريان ، كان أرثوذكسيا ثم أعتنق الأسلام حتي يستطيع أن يتزوج من " لميعة برقي العسكري " التي أنجبها ولدين ، " سدير وياسر " . ولد جبرا في بيت لحم لكنه أستقر في العراق بعد حرب 1948م ، ومنها إلي لبنان ثم لندن التي قضي بها وقتا خصبا من حياته ! ما يعجبني في مسيرة " جبرا " ثقافته الموسوعية الضخمة وقدراته اللغوية الهائلة في العربية والنجليزية ، ثم – وهذا ما يحببه إلي أكثر ، نظرته ورؤياه حول " الحداثة " ! إذ يعتبرها موضوعا حيويا جادا وجديرا بأن نتدبره ونبحث فيه ، درسا مستمرا وتأملا فيه من جميع جوانبه . فالحداثة ، كما هو معلوم ، تنطوي علي عمليات " الهدم " ثم – من بعد – يأتي البناء ، أي هدم الموروث الثابت السائد وبناء الجديد المتحول . وأما الحداثة في الأدب فهي تلك الأشكال والقوالب الأدبية التي عرفها الأدب الغربي بعد الحرب العالمية الأولي ، وكانت نتيجة لمحصلة الخيبة والأحباط من الأفكار والنظريات الأجتماعية والسياسية التي كانت سائدة قبل الحرب ... وأدت – في ما أدت إليه – إلي القتل والدمار والبشاعة ! ومن أبرز رموزها في الشعر : عزرا باوند وهو من مؤسسي الشعر الحر المتحرر ، لأول مرة ، من قيود الوزن والقافية . و ت.س.إليوت مؤلف القصيدة المطولة المشهورة في تاريخ الأدب العالمي " الأرض الخراب / اليباب " 1980م . وفي النثر جيمس جويس أحد مؤسسي تيار الوعي ومولف " يولسيس – عوليس " 1922م . و وليم فوكنر مؤلف " الصخب والعنف " 1929م . ومعلوم أن الأدب العربي الحديث قد تأثر ، في بداياته الباهرة تلك ، بالحداثة الغربية هذه أواخر النصف الأول من القرن العشرين . فظهر الشعر الحر في العراق لدي السياب ونازك الملائكة وغيرهم أضافة لجماعة مجلة شعر في لبنان !
تمثل أعمال جبرا الروائية والقصصية وترجماته تجليات الحداثة الغربية وتمظهرات الرموز المسيحية في الكتابة العربية . أفاد جبرا جدا من تقنيات الحداثة الغربية في الرواية ، ثم شرع بنفسه في تكسير التابوهات والمسلمات الفنية ، وهذا وحده وجها نيرا وجسورا من وجوه الضمير الحداثوي لدي جبرا ، لكنه حافظ ، في الوقت نفسه ، علي الخصوصية العربية / الفلسطينية ! لقد نظر ، بوعيه العميق ، إلي ظاهرات " التناص " و التهجين وتعالقت نصوصه ، هنا بالذات ، مع النصوص الغربية ... وأجري تلاقحا حميما وشفيفا معها ، علي المستويين ، الدلالي والشكلي . ولم يفته أن يجعل ذلك كله في أطار " العولمة " ، ونعني بها التقدم العلمي والتقني الهائل الحادث ، الآن ، في عالما ، وما صاحبه من تغيرات أجتماعية وأقتصادية وثقافية وسياسية كبيرة ! كما تطلع جبرا ، بثقافته العالية ، إلي مجالات معرفية شتي في علوم النفس والأجتماع والفلسفة والأديان والأساطير والموسيقي والمسرح والسينما والنحت والرسم ... ، تداخلت جميعها وأختلطت لتشكل النسيج الحي لأعماله في الشعر والمسرح والقصة والرواية . لربما ساعدته دراسته نفسها في اثراء وجدانه اللغوي بالأنجليزية ، حيث أن دراسته الثانوية في الكلية العربية في القدس قد أمدته بزاد وفير يكاد لا ينضب من المعرفة في اللغة والأدب الأنجليزيان ، بالذات في مسرحيات شكسبير ، فأستمر تواصله الحميم مع الأدب النجليزي بعد تخرجه ، إذ تم إبتعاثه إلي بريطانيا ليدرس الأدب النجليزي وينال فيه درجة الماجستير ... وكانت انجلترا وقتذاك تعيش في أحضان الحداثة وعلي ذراها العاليات ، وهذا ما شكل مهدا معرفيا غزيرا له حد أن قام بكتابة أعمالا روائية بالأنجليزية منها روايات : صيادون في شارع ضيق 1960م وقبلها كان قد كتب العام 1946 صراخ في ليل طويل ! رأينا الحدثة ، أيضا ، في أجلي مظاهرها في ترجماته أيضا ، إذ ترجم أكثر من ستة وعشرين كتابا ، عرفنا عبرها بأبرز الكتاب الغربيين ومدارسهم الفكرية والأدبية ، وبذلك أسهم ، بجدارة محترمة ، في أثراء الأدب العربي الحديث في الشعر والرواية وتقنيات الترجمة و ... النقد !
وأنا أتابع حالة الكتابات الجديدة في الشعر والرواية والقصة و ... التشكيل والموسيقي ، أنظر ، مجددا ، لأعمال جبرا ، وأسعي لمقاربة مقولاته مع واقع هذه " الحالة " الجديدة و ... تداعياتها ، لربما تضئ تجربته الكبيرة زوايا وأبعاد لا تزال معتمة هنا أو هناك ، لأن الأشواق الثقافية لإنسان الحداثة منابعها ، في مجال التنظير والبحث ، تبدو متقاربة جدا أن لم تتماثل وتتقاطع في بعض دروبها ! رغبت ، وأنا في برهة القراءة هذه ، أن أحييه و ... ذكراه ، فقد كان بحرا عميق الغور ، صخاب في صيرورة الماء وفي الروح نفسها ، روحه التي كانت – إذ تراوغنا – تبدو لنا وادعة هادئة ! سلام إليك ، جبرا ، في الخالدين !
--------------------------------------------------------------------------------------

*ولد في بيت لحم ، فلسطين عام 1920. 
• هاجر إلى العراق مع عائلته عام 1948. 
• درس في الكلية العربية بالقدس ، وجامعة أكستر، وجامعة كمبردج بانكلترا، وجامعة هارفرد بالولايات المتحدة. 
• ساهم مع جواد سليم في تأسيس " جماعة بغداد للفن الحديث" 1951. 
• عُين رئيساً لمكتب الإعلام والنشر في شركة النفط الوطنية العراقية وأنشأ مجلة " النفط والعالم". 
• عُين خبيراً في وزارة الثقافة والإعلام عام 1977 حتى تاريخ تقاعده في أيلول 1984. 
• رئيس تحرير مجلة " فنون عربية " التي أصدرتها "دار واسط" بلندن 1980-1983. 
• رئيس "رابطة نقاد الفن في العراق" منذ إنشائها في أيار 1982. 
أهم الجوائز : 
• حاز على جائزة "تارغا يوروبا" (جائزة أوروبا) للثقافة، 1983. 
• حاز على جائزة الآداب والفنون من مؤسسة "الكويت للتقدم العلمي" 1987. 
• حاز على جائزة صدام للآداب عام 1988. 
• حاز على وسام القدس للثقافة والفنون والآداب عام 1990. 
قرار لجنة التحكيم : 
يتميز جبرا بغلبة الجانب الإبداعي في نقده لأنه يصدر عن معرفة عميقة واسعة، وذوق مرهف متمرس بالقصة والشعر والفنون التشكيلية، ويجمع بين الثقافتين العربية والغربية جمعاً متعمقاً، ولهذا استطاع أن يفتح أمام العقل العربي آفاق الثقافة العالمية، بما يترجمه ويعرضه ويحلله من اتجاهات ونصوص، وقد كان أثره في هذه الناحية على الأجيال العربية صنواً لأثره النقدي من خلال آرائه النقدية في كتابيه "الحرية والطوفان" و "الرحلة الثامنة".
إن إطلاع جبرا على فنون مختلفة وثقافات متنوعة قد منح مقاييسه النقدية اتساعاً ورجاحة في الموازنة الدقيقة، وطابعاً عصرياً في النقد يتسم بالتجديد على نحو شامل مع إحساس شديد بالمسؤولية تجاه الثقافة العربية وتراثها ومستقبلها.
أهم المؤلفــــات : 
• صراخ في ليل طويل "رواية" 1955. 
• عرق وقصص أخرى 1956. 
• تموز في المدينة "شعر" 1959. 
• صيادون في شارع ضيق "رواية بالإنكليزية" ترجمت إلى العربية عام 1974. 
• الحرية والطوفان "دراسات نقدية" 1960. 
• الفن في العراق اليوم "بالإنكليزية" 1961. 
• المدار المغلق "شعر" 1964. 
• الرحلة الثامنة "دراسات نقدية" 1967. 
• الفن العراقي المعاصر 1972. 
• جواد سليم ونصب الحرية "دراسة نقدية" 1974. 
• النار والجوهر "دراسات في الشعر" 1975. 
توفي بتاريخ 12/12/1994



*
الاتجاهات الفكرية في أعمال جبرا إبراهيم جبرا الروائية




تدور أحداث(1) معظم روايات جبرا ابراهيم جبرا في المجتمع العراقي، وفي البيئة الثقافية العراقية. لأن حركة الفن والثقافة في العراق كانت على درجة عالية ورفيعة من التطور ابان اقامته في بغداد مهاجرا، ومتجنسا بالجنسية العراقية في العام 1955، ومتزوجا من عراقية هي السيدة لميعة العسكري. فلا بد أن يكون قد تأثر بالمناخ الأيديولوجي فيها، لأن أيديولوجية الكاتب لابد أن تكون مشوبة بالمؤثرات السائدة في المجتمع`.

وفي الواقع، يمكن أن نجد اتجاهات فكرية سائدة في أعمال جبرا ابراهيم جبرا الروائية هي الايديولوجية الوطنية، والايديولوجية العدمية، والايديولوجية الليبرالية، وان من الصعب أن نجد شخصية تركز على ايديولوجية صافية. ففي الغالب تكون هذه الايديولوجيات غير نقية.

إن جميع روايات جبرا باستثناء ((صراخ في ليل طويل)) تدور في المجتمع العراقي إبان صراعاته الايديولوجية والفكرية منذ الخمسينيات. فرواياته ((صيادون في شارع ضيق))1960، و ((السفينة)) الصادرة في العام 1970، و ((البحث عن وليد مسعود)) الصادرة في العام 1978، و ((الغرف الاخرى)) في العام 1986، ورواية ((يوميات سراب عفان)) الصادرة في العام 1992 تصور بشكل أو بآخر شريحة مثقفة، شريحة من شرائح المجتع العراقي بكل ايديولوجياتها وصراعاتها.

ومما لاشك فيه يمكننا أن نجد أكثر من هذه الايديولوجيات التي احصيناها، ونجد صوراً أكثر تشابكا وتعقيدا، وذلك لوجود أكثر من قوة اجتماعية وسياسية ضمن حقبة تاريخية معينة.

ولأن النخبة المثقفة، التي يصوغ منها جبرا شخصياته الروائية. تأتي من طبقات اجتماعية مختلفة، فتكون لها مصالح مختلفة. لذا نجد لديها هذا الاضطراب والتداخل في الايديولوجيات، وحتى لدى الشخصيات الفلسطينية التي أراد لها جبرا أن تتفوق على عموم شخصياته الرئيسة.

إن الشخصية المحورية لدى جبرا، لها صفات مشتركة، فهي في الغالب شخصية فلسطينية، متشردة، وطنية، مثقفة ومتفوقة، ومتعلقة بالفن وجمع الثروة.

وإن كل رواية من روايات جبرا لا تتناقض مع سابقتها، بل تتواصل معها فكريا وزمنيا. وفنيا وتتجاوزها(2).وهذا ما يؤكده جبرا في قوله: ((لا احسب هذه الرواية(*)، نقطة تحول في تفكيري واسلوبي بمعنى قطعي بقدر ما هي امتداد منطقي لأول محاولة قمت بها في كتابة القصة))(3).

لقد صور جبرا الشخصيات المحورية شخصيات متميزة عن بقية الشخصيات الاخرى، ربما لأنها قد استمدت ثراءها الفكري والايديولوجي من طبيعة التجربة التي خاضتها، كما ان هذه الشخصية تلقى بظلالها الفكرية على الشخصيات الاخرى. لقد صور جبرا هذه الشخصيات غنية بأفكارها، وعميقة بجذورها، ومتميزة بمشاعرها واحاسيسها، وقد اغدق جبرا بالصفات على الشخصيات الفلسطينية كي تسمو إلى مستوى يفوق مستواها العادي، كما يفوق مستوى الشخصيات الاخرى.

الايديولوجية الوطنية

إن شخصية المثقف الفلسطيني، الوطني، المسيحي، المتفوق هي الشخصية المركزية في معظم روايات جبرا ((صيادون في شارع ضيق)) و ((السفينة)) و ((البحث عن وليد مسعود))، كذلك رواية ((يوميات سراب عفان)) وإن كانت تختلف بعض الشيء عن الروايات السابقة. ويمكن أن نطلق على هذه الشخصيات بالشخصيات الكارزمية.وهي شخصيات لها قدرة فائقة وقابليات عالية على التأثير بوصفها شخصيات قيادية ملهمة، بفضل عبقريتها وعقيدتها. كما أن تأثير هذه الشخصيات وقوتها، لا تستمد من النظام القانوني والشرعي الحاكم انما من عبقريتها في كسب وارضاء الناس والتفافهم حولها(4) فجميل فران، ووديع عساف، ووليد مسعود شخصيات تتقابل وتتماثل من الناحية الايديولوجية، وتكمل الواحدة الأخرى. وبمعنى أدق ان شخصية وليد مسعود هي امتداد متطور لشخصيتي وديع عساف وجميل فران.

فان كان جميل فران مثقفا ومسيحيا وفلسطينيا، قدم إلى بغداد ليدرس في احدى جامعاتها، فأن وديع عساف امتداد متطور لشخصية جميل- وهو أيضا مثقف ومسيحي، وفلسطيني، وكان قد تخرج من الجامعة الامريكية ببيروت أما وليد مسعود فهو لايختلف عن الشخصيتين السابقتين، فهو أيضا مثقف وكاتب، ومسيحي وفلسطيني، وله مؤلفات عدة منشورة كـ((الانسان والحضارة)) و((المفرد والمتعدد والمطلق)) وسيرة ذاتية هي ((البئر))(5).

إن الايديولوجية الوطنية لدى شخوص جبرا الروائية الثلاثة، هي في الغالب تتعلق بحدث سياسي هو القضية الفلسطينية. غير اننا نجد ان الوطني لديه لا تدفعه محفزات موضوعية إلى الثورة، وانما هو مندفع على الأغلب بمحفزات ذاتية، وان هذه الشخصية تتعلق سايكولوجيا بضحية وطنية عالقة في ذهنه، فجميل فران يتعلق بشخصية ليلى شاهين وهي الخطيبة التي قتلت اثناء القصف، وتظل هذه الضحية تلاحق جميل في كل مكان، فتسترجع ذاكرته الحادث بقوله: ((كالمجنون، تسلقت الانقاض، والحجارة الكبيرة، وقضبان الحديد في أمل يائس. ثم شعرت بشيء ناعم يرتطم بيدي، فحفرت حوله. كانت يد مقطوعة من الرسغ. كانت يد ليلى، وخاتم الخطبة يحيط باصبع الخنصر. فجلست وبكيت))(6).

وينتاب وديع عساف بطل رواية ((السفينة)) ذكريات صديقة فايز، وهي ذكريات أليمة إذ لا يفارقه جسد فايز حتى في المنام، فهو الشهيد الذي حمله في جبال القدس بعد استشهاده: ((كنت أراني احمله جريحا، تاره بين ذراعي وتاره على ظهري، كان الجرح في صدره. كنت أشعر بأن ركبتي تكادان تنهاران من وطأة العبء، ووطأة الفجيعة فقد كنت أعلم، كما يعلم الحالم، أنه ليس جريحا فقط، بل أنه ميت بين يدي))(7).

أما وليد مسعود بطل رواية ((البحث عن وليد مسعود)). فهو الآخر يلتحق بفصائل المقاومة بعد استشهاد ابنه ((مروان)) في إحدى العمليات داخل الأرض المحتلة، وهذا هو سر مأساة وليد مسعود كما يقول ابراهيم الحاج نوفل: ((أراد أن يكون قديسا في عالم الفجور، ومنظرا في عالم الاحزان، وعقائدي غير عقائدي في عالم من التزمت الدغماوي))(8).

ويجب أن نلفت النظر إلى ان هناك تداخلا في الايديولوجيات لدى الشخصيات الوطنية، وذلك بسبب طابعها الديني، فجميل فران في رواية ((صيادون في شارع ضيق))كانت تسكنه التجربة الدينية، فهو يفكر بالمسيح كرجل يعيش في الشوارع إذ يقول: ((ولكنني أفكر بالمسيح كرجل يسير في شوارعنا بوجه ناحل ويدين جميليتين، أفكر به واقفا حافي القدمين على حجارة شوارعنا وهو يدعو البشرية كلها لحبه وسلامه.))(9).

ووديع عساف في رواية ((السفينة)) هو مثل جميل فران، يرى المسيح يلازمه بقوله: ((المسيح يلازمني، حافيا، كبير القدمين، تقطر أصابعه الطويلة بالمعجزات، وهو يكاد لا ينطق..))(10) وربما لا يختلف وليد مسعود في رواية ((البحث عن وليد مسعود)) عن الشخصيتين السابقتين فهو مثل جميل ومثل وديع يشتد اعجابه بكلمات المسيح: ((إن المساكين والفقراء سوف يرثون الارض. لذا فان ثوار القرى الفلسطينية هم الذين في النهاية سيغيرون كل شيء))(11).

إن وطنية الشخصيات مشوبة بطابع ديني، أي أراد جبرا أن يمنح العقيدة الوطنية صورة دينية متمثلة بشخصية المسيح المناضل، التي صورتها بعض الروايات الاوربية كـ رواية ((الاخوة الاعداء)) و ((المسيح يصلب من جديد)) لنيكوس كزانتزاكي.

الايديولوجية العدمية ((النهلستية))

إن الشخصيات العدمية أيضا شخصيات بارزة في أعمال جبرا ابراهيم جبرا مثلا شخصية عمر السامري في رواية ((صراخ في ليل طويل))، وشخصية عدنان طالب في رواية ((صيادون في شارع ضيق)) وشخصية عصام السلمان في رواية ((السفينة)) وشخصية ابراهيم الحاج نوفل في رواية ((البحث عن وليد مسعود)).

إن الشخصيات العدمية في روايات جبرا تمتاز بالرغبة بتدمير كل شيء وتسخيف كل ما هو موجود، فضلا عن كونها تعيش على الأحلام والأفكار، وتفتقر إلى فعل حقيقي في الحياة وقد عبر عن هذه الشخصيات جبرا في مقابلة معه : ((أظهر الكثير من مفكرينا وقد اخذوا بالكلام، بحيث فقدوا القدرة على الفعل، بحيث يصير الكلام أو الحوار معوضا عن الفعل، يعني يصير مزيتهم اللافعل، وهذا الشيء تجده متضافرا أي الشيئين يتضافران دائماً في أكثر من نواحي رواياتي الفعل واللافعل… هذه ظاهرة موجودة في مجتمعنا.. وموجودة في أكثر من المجتمعات))(12). فعمر السامري في رواية ((صراخ في ليل طويل)) مثقف عدمي، فهو شاعر لا يؤمن الا بالشاعر الفرنسي رابليه، فهو يتحاور مع مجموعة من المثقفين حوارات فكرية خطيرة، تعويضا عن الفعل، فهو يتحدث عن أفكار عظيمة دون دعمها بفعل.. يعيش في الأحلام لهذا يقول: ((لا فائدة ترجى.. أن المدينة في حاجة إلى اذهان صحيحة دينامية تخلق وتبدع. فتفعل في حياتنا فعل الشمس والهواء لا تظن انني لا أحب النساء، أو أنني لا ابتأس لبؤس الفقراء، ولكنني أوكد لك انني لن أسمح لشيء في الوجود بأن يشوه لي صورة الحياة الحقيقية))(13).

وتكاد تتطابق شخصية عمر السامري مع شخصية عدنان طالب في رواية ((صيادون في شارع ضيق)) فكلاهما شاعر مثقف، ومتمرد على واقعهما. فعدنان مؤمن بتدمير كل ما هو قائم، لذا فهو غير ملتزم باي ايديولوجية، فضلا عن كونه يمتلك وجوها عدة فيرتدي القناع حسب متطلبات المناسبة الملائمة له. فهو مثلا في حوار مع جميل فران يعد الشعارات والمتظاهرات حافزاً لتحريك الشعب، ومرةً يتهجم على الأدباء الفنانين في حوار مع عبد القادر فقد وصفهم بأنهم عموميون، مرتخون مائعون فيقول: ((وهذا بالضبط ما يريده جمهور، كجمهورنا ليس له من القراءة والكتابة الا النزر اليسير. بل انهم يحاولون أن يكونوا معلمين لنا، هولاء البلهاء))(14)

الايديولوجية الليبرالية:

ويمكن ان نرصد الملامح الايديولوجية اليسارية في أعمال جبرا في رواية ((صيادون في شارع ضيق))، و((السفينة)) و ((البحث عن وليد مسعود))، وفي الواقع أن هذه الشخصيات بشكل عام تتصف بالتداخل الايديولوجي، وبمعنى آخر أن هذه الشخصيات دعت الى ((ضرورة الليبرالية))(*) لمجابهة التخلف والأشكال الحضارية الذي تعيشه تلك المنطقة(15). وهذا يعني أن هذه الشخصيات تتداخل ايديولوجياتها فهي شخصيات ثورية راديكالية في الوقت عينه تدعو الى الحداثة، وضرورة التقدم، ومجابهة التخلف المسيطر على المنطقة وقد تبلور الوعي لدى الشخصيات بضرورة الحداثة، والاصرار على التغيير الاجتماعي من هدم بعض القيم المتعارف عليها أو تقويضها، ثم العودة إلى وضع اسس جديدة لبناء مجتمع جديد ليواكب ويوازي في مسيرته المجتمعات الراقية والمتحضرة فعبد القادر ياسين في رواية ((صيادون في شارع ضيق)) يدعو إلى تغيير المجتمع واصلاحه لذا فهو يعترض على توفيق الخلف بعودته الى الصحراء بقوله: (لو سمعك اعدائنا لعشقوا كل كلمة فهت بها).

- ماذا تعني؟

- أعني أن الصهاينة يتمنون لو نعتقد نحن بأن علينا جميعا أن نعود إلى الصحراء(16) ثم يدعم رأي عبد القادر صديقه كريم بقوله: ((لم يكن لدينا تنظيم سياسي صحيح، ومازلنا نفتقر إليه، ولكننا لا ندعو الناس إلى العودة إلى البراري))(17)

لقد دعت هذه الشخصيات ذات الايديولوجية الليبرالية إلى ايجاد تنظيم سياسي لاصلاح المجتمع والوقوف على مواطن الفساد فيه وهدم القيم التي تعارض البناء التقدمي للمجتمع.

فمحمود الراشد في رواية ((السفينة)) يدعو إلى تنظيم سياسي كبير يجمع عددا من الاقطار العربية، لأن المثقفين عند محمود الراشد: ((يبلورون تفكيرهم اليساري على الأغلب في العواصم الاوروبية، لأنهم اصلا لا يستطيعون الحياة الا في جو من الليبرالية التي تتيح لهم الكتب؟ اللقاءات، الدراسة، والتنظيم، بحرية وسخاء لما في تلك العواصم، على حد رأيه من بحبوحة فكرية، وضمانات قانونية فالثوريون في قراراتهم ليبراليون))(18).

وشخصية كاظم اسماعيل في رواية ((البحث عن وليد مسعود)) يدعو إلى تغيير العالم فيسخر منه وليد عبر حوار دار بينهما في حادثة الطريق فيقول له: ((تتصور ان اناسا مثلك سيغيرون المجتمع؟ تغيره وأنت قاعد على حجرك، تلوك احقادك الصغيرة، وتغازل اخفاقاتك المتوالية))(19).

وعامر عبد الحميد هو الاخر استسلم لفكرة التكنولوجيا كما يقول جواد حسني: ((بدا جماهيريا بروليتاريا. وانتهى الى الايمان بشيء واحد التكنولوجيا))(20).

أما وليد فيدعي كما يقول عنه عامر بـ ((انه يعمر عالما مستقبليا في وسط عوالم التخلف نفسها))(21).

الشخصيات النسائية في عالم جبرا

أما الشخصيات النسائية في عالم جبرا الروائي، فهناك شخصيات تدرج ضمن الشخصيات العدمية، اذ انها تتمرد على الواقع، ولكن تمردها لا يؤدي الى فعل حقيقي. فمن بين هذه الشخصيات سمية بنت سليمان شنوب، وركزان هانم في رواية ((صراخ في ليل طويل))وشخصيته سلافة النفوي في رواية ((صيادون في شارع ضيق)) فهذه الشخصية تحمل وعيا ورغبة في التغيير، ولكن لا يصل هذا الوعي الى حد الوعي الممكن انما هي مجرد رغبة في التغيير، وتكون هذه الرغبة دائما مصحوبة بدافع حب الرجل.

فسميه بنت شنوب- الفتاة الارستقراطية- لم تكن قادرة على اتخاذ موقف ما بنفسها فقد تمردت على واقعها المتمثل بسلطة والديها- بعد ان تعرفت على امين متخذة قرار زواجها منه والعيش معه بنفسها فعصت بذلك امر والديها. بيد انها فتأت عنه وتركته وهربت.

إن عدم ثبات الشخصية على موقفها وعدم اعطائها المبرر الواضح لهذا التحول المفاجئ ضبب صورتها ومنعها من الاتصاف بالفاعلية.

وركزان هانم- كانت لديها رغبة في التغيير بتحرير نفسها من سيطرة الماضي المتمثل بعائلتها، لهذا قررت تدمير كل مخلفات الماضي بعد وفاة اختها عنايت هانم- السلطة الابوية لركزان- وكان هذا التمرد هو الآخر كان بدافع الرجل الذي هو أمين لذلك تقول له: ((أما ما أريده الان فهو الحاضر أريد حاضرا حيا طليقا))(22).

أما سلافة فهي لا تختلف عن الشخصيتين السابقتين، فقد تمردت هي ايضا على سلطة ابويها، عندما رفضت الزواج من توفيق الخلف، وعندما تمنت أن تخرج مع المتظاهرين بقولها: ((لقد اوشك ابي على الانهيار، عندما طلبت منه، بقدر ما استطعت من الكياسة، ان يسمح لي بالخروج، والانضمام الى الجماهير –لذا فها أنا في غرفتي… لن استسلم ياحبيبي، أنا أيضا سأطلب الاستقلال والسيادة، بل حرية تدمير النفس. لكن ماذا أفعل؟ هل انطلق من الباب، أو اقذف الطابوق من نافذة غرفة نوم والدي، وليكن ما يكون))(23).

إن هذا التمرد لا يخلو من رغبة في التغيير من اجل جميل فران.

وهناك شخصيات نسائية تتمرد على الواقع بدافع فعل حقيقي وثوري مثل شخصية وصال رؤوف في رواية ((البحث عن وليد مسعود)) وشخصية سراب عفان في رواية ((يوميات سراب عفان)). فوصال رؤوف ابنة ثري وسياسي معروف، تلتقي بوليد مسعود في احدى حفلات ((عامر)) فتحبه، فضلا عن علاقة وليد بعائلتها. وحين يختفي وليد تلبس الحداد عليه، وتتصل بـ ((عيسى الناصر)) في عمّان و (خالد ابو مطر) في بيروت و … لتلتحق بـ وليد وتصبح فدائية مثله تشاركه وتبقى الى جانبه بوصفه الرجل الامثل. فهي بهذا تتحول من وعي طبقتها أي من الوعي الفعلي، الى الوعي الممكن لذلك تقول وصال: ((وليد يريد ان يقاتل على طريقته فلا كن معه، اقاتل الى جانبه))(24).

أما سراب عفان بطلة ((يوميات سراب عفان))فتطالب بتحويل المجتمع الى مجتمع ثوري، لازالة عناصر القهر والسحق الاجتماعي، فهي بهذا تتحول من وعيها الفعلي الى الوعي الممكن، عندما تقرر الالتحاق بفصائل المقاومة، بعد ان تتصل بـ(عبد الله الرامي) السياسي المعروف الذي يقضي معظم وقته في التحركات السرية، وتستبدل سراب اسمها باسم سلوى عبد الرحمن وتسكن مع رفيقة لها ورفيق يدعى يحيى السعد (25) الى جانب عائلة مغربية في باريس لتقوم بنشاطاتها هناك.

الشخصيات المغتربة

إن للاغتراب مفاهيم عديدة، بيد اننا وقفنا عند تعريف هيجل* بوصفه أول من استخدم مصطلح الاغتراب على نحو منهجي مفصل، فهو ((حقيقة انطولوجية متاصلة في طبيعة وجود الفرد في العالم))(26).

وعرف الاغتراب بانه حدوث تغيير في مفهوم الفرد عن ذاته- ولم يكن هذا التغيير ناجما عن تصرف مقصود للفرد، انما يجد المرء نفسه قد حل فيه هذا الوضع وانتهى(27) او هو ((انفصال الانسان عن ذاته وعن العالم انفصالا يصبح معه غير قادر على التناغم والانسجام، لا مع نفسه ولا مع العالم))(28). ويبدو ان انسان هذا العصر قد انفصل عن مجتمعه انفصالا حادا، لم يعد فيه قادرا على إقامة الجسور بين ذاته ومجتمعه، لهذا فهو بطل مازوم يبحث عن الاصالة في عالم قيمة منهارة.(29)

يفقد المغترب قدرته على التوحد مع قيم مجتمعه، لانه يطمح الى تحقيق المثال فيعجز عن تحقيقه، فينشا التصادم بين الحلم والواقع، مما تتحول رؤيته للعالم الى رؤية ماساوية كما بينهما لوسيان غولدمان (30) لأنه يطلب الكل، فاما كل شيء أو لاشيء. لذلك يرفض الحلول الوسطية، لأن قيمه تتعارض مع قيم مجتمعه. لذلك يكون البطل -السلبي المازوم المغترب- دائم البحث عن الخلاص، يريد تحقيق ما هو مستحيل، ويرفض كل ماهو نسبي وتقريبي.

الغربة المكانية

يعاني ابطال روايات جبرا من غربة مزدوجة في ((صيادون في شارع ضيق))، و ((السفينة)) و ((البحث عن وليد مسعود)). فهم ابطال فلسطينون مثقفون، ومازمون، مغتربون، وربما لانهم عانوا من رواسب الاستعمار وما خلفه من عقد اجتماعية، فباتوا متمردين على واقعهم المفروض عليهم- بوصفهم ابطالا غرباء بعيدين عن ارضهم، عاجزين عن الانتماء الى المجتمع. البديل، فهم يشعرون بمجتمعهم على الرغم من كونهم في قمة عزلتهم، وتعد هذه الغربة من ارقى انواع الغربة(31).

فإحساس جميل بطل رواية ((صيادون في شارع ضيق)) بالغربة المكانية بعد تركه وطنه أثر نكبة عام 1948، وحلوله في الوطن البديل (بغداد) محل وطنه الاصلي (القدس) ولد لديه الاغتراب النفسي والشعور بالقرف، والوحدة والوحشه والحنين الى الوطن فيقول: ((نسيت اسفاري، وما عدت أستطيع أن اذكر ملامح أية مدينة في العالم سوى مدينة واحدة أذكرها طيلة الوقت، تركت جزءا من حياتي مدفونا تحت انقاضها، تحت اشجارها المجرحة وسقوفها المهدمة. وقد اتيت الى بغداد. وعيناي ما زالتا تتشبثان بها- القدس))(32).

أما وديع عساف بطل رواية ((السفينة)) الفلسطيني المأزوم الذي يحن الى جذوره في الوطن السليب فيقول: ((لعنة واحدة هي أوجع اللعنات (لعنة الغربة عن ارضك)) سل الفلسطيني، سل الفلاح الذي يذكر تجرح قدميه على تلك الارض، كانه يذكر لذة حياته الوحيدة- كانه يقول ان حياته، بعد ان ابعد عن ارضه، ما عادت حياة))(33).

وينقل لنا الروائي جواد حسني في رواية ((البحث عن وليد مسعود)) غربة وليد مسعود بطل الرواية – المكانية واغترابه النفسي في المكان البديل معللا ذلك بقوله: ((بحكم كونه فلسطينيا يستطيع الزعم دائما، بانه يتصل بمجتمع كهذا، وينفصل عنه دونما عسر او الم، لان جذوره الحقيقية في جبال ووديان اخرى تغذيه سرا وباستمرار.))(34).

لهذا يرفض وليد كل الملذات الموجودة في المكان البديل من مال وشهرة ونساء ويهرب الى عالمه الاصلي ليلتحق بفصائل المقاومة لانه لم يستطع التكيف مع هذا المجتمع البديل.

الاغتراب المكاني:

يعاني ابطال روايات جبرا الاخر كأمين بطل رواية ((صراخ في ليل طويل)) و الراوي الممسرح بطل رواية ((الغرف الاخرى)) وسراب عفان بطلة رواية ((يوميات سراب عفان)) من اغتراب مكاني، نتيجة لانفصال حتمي ومعرفي أو شعوري لعناصر معينة من واقع الحياة كشعور امين وسراب اتجاه المدينة، ويعاني الراوي الممسرح بطل رواية ((الغرف الاخرى)) من الشعور بالوحشة اتجاه مدينته لذلك يصفها بانها خالية وخاوية فيقول: ((الساحة العريضة خالية وخاوية، مهجورة، ميتة من الله، ومن البشر، كأن المدينة لم يبق فيها من يتحرك، من يسعى، من يحب، كأن وباء قد اجتاحها ولم يرحم احدا))(35).

ويعد الاغتراب ظاهرة انسانية فلو تتبعها في مختلف النظم الاجتماعية والثقافية، لوجدنا افرادا يشعرون بالعجز عن التجاوب مع الاوضاع العامة والسائدة في مجتمعهم، لن يرفضون تلك القيم . ربما ان المغترب هو شخصية مأزومة تعاني من صراعات داخلية ومعارك مستمرة بحثا عن مخرج ينفذها فأمين بطل رواية ((صراخ في ليل طويل)) الشخصية المغتربة والمآزومة يريد الخلاص من معاناته وازماته فيهرب الى اماكن بعيدة منعزلة ليتخلص من همومه، ولكن بما ان بطل الرواية بطل ((مازقي متوتر لا يصل الى نتيجة، فالوصول يعني القطيعة بين البطل والعالم))(36). لذلك لا يمكن لامين التخلص من ازمته لهذا يقول : ((تسلطت عليّ افكاري تحوم حولي كعشرات الطيور منذ ان قضيت الايام الاخيرة وحدي في عطلة الجبل اذهب من مكاني الى اخر كناسك لا رفيق له الا عصاه، بيد انها مازالت تلاحقني في طرقات المدينة))(37).

ويعاني الراوي الممسرح بطل رواية ((الغرف الاخرى)) من التمزق الداخلي، لانه يحس بالعجز لان هناك عوامل تحاصره، وتسيطر على سلوكه، فيهرب منها ويتقوقع على نفسه، وبمعنى ادق يختار العزلة والوحدة، بدلا من التوتر والاحباط .

هناك تعليقان (2):

  1. الرجاء هل توجد قصيدة له عنوانها ( قصيدة أنا وشيطاني ) وجدتها في الإنجليزية تبدأ هكذا : My demon played hell with me for some time,
    Taking advantage of my passions
    Running away with me like wild horses
    Between the forests and arid plains:
    He would invade me at my weakest hours,
    الترجمة حسب النص : شيطاني يسوقني إلى الجحيم احيانا ( بعض الوقت ) مستمدا فعلته من عواطفي .. يهرب بعيدا معي كما خيول برية \ بربرية ( جامحة ) هذا البيت يوجد شبيه له في النص العربي لكن البقية لا توجد .... 4- بين الغابات والسهول القاحلة ... بحثت ولم أترك زاوية في الأنترنيت ولم أجد أي نص عربي يتوافق مع الترجمة أو حتى قريبا منها

    ردحذف
  2. أو لنقل بدلا عن مستمدا فعلته من عواطفي نقول : على حساب عواطفي

    ردحذف