أليخاندرا بيزارنيك «المسافرة بكأس فارغة»
عبده وازن
العدد 8 - تشرين الأول 2008
قبل أيام من إقدام الشاعرة الأرجنتينية
أليخاندرا بيزارنيك على الانتحار في العام 1972 كتبت تقول: "يُطبق عليّ
الموت، إنه أفقي الوحيد". كانت في السادسة والثلاثين من عمرها، وكان الحلم
بالموت انتحاراً راودها كثيراً في الحياة كما في النصّ. قبل عامَيْن من
رحيلها حاولت الانتحار وعجزت أو جبنت في المضيّ به، فظلّت في حال من
الانتحار الصامت والداخليّ.
حتى لو لم تنتحر هذه الشاعرة الفريدة،
"الصغيرة المنسية" أو "الصامتة في الصحراء" كما تصف نفسها كان لا بدّ
للانتحار من أن يشكّل مدخلاً رئيساً إلى عالمها المتعدّد بظلاله وأضوائه
وفضاءاته الداخلية. هاجس الموت يحتلّ كينونتها منذ أن كتبت أولى قصائدها،
وكأن الكتابة لديها لم تكن إلا مواجهة للموت وتأجيلاً له، إلى أن حانت
ساعته المأسوية: "أسمع طوال الليل نداء الموت، طوال الليل أسمع أغنية الموت
قرب النهر، طوال الليل أسمع صوت الموت الذي يناديني"، تقول أليخاندرا في
إحدى قصائدها.
وعلى رغم حياتها التي شاءتها قصيرةً، تمكّنت
أليخاندرا من أن تنجز دواوين عدّة جعلتها في مرتبة الشعراء الكبار في
الأرجنتين وأميركا اللاتينية والعالم. إنها شاعرة كبيرة حقاً مع أنها عبرت
بسرعة وبلا أي ضوضاء. كبيرة في صمتها، في عجزها عن الكتابة، بل في إضاءتها
معنى "الاستحالة" التي هي الوجه الآخر للشعر، كما علّمنا مالارميه الشاعر
الفرنسي. تقول: "ليس هذا البتّة ما نريد قوله". لكنها استطاعت أن تقول أقصى
ما يمكن القول أن يبلغه. إلا أن أزمتها لم تكن أزمة العجز المتولّد من
رهبة "الورقة البيضاء"، بل أزمة العجز عن بلوغ المثال أو تجسيده. اللغة لم
تخنها لحظةً ولا الشعر ولا القصيدة، ما خانها هو ذاك المطلق الذي يستحيل
أسره لغوياً أو شعرياً، فيظلّ حلم القصيدة الذي لا يتحقّق. كتبت أليخاندرا
براحة هي الوجه الآخر للقلق، الكلمات أسلست لها والصور والرموز، لكنها
طبعاً لم تكتب إلا ما يجب أن يُكتب. وقد تكون الكثافة إحدى ميزات تجربتها،
الكثافة التي تختصر في داخلها الكثير مما يقال أو لا يقال. تكتب في إحدى
القصائد سائلة نفسها: "إلى أين تقودها هذه الكتابة؟ إلى الظلمة؟ إلى
اليباب؟"، لكن شعرها وحده يجيب، شعرها الذي هو نفسها، هي التي لم تعش على
هذه الأرض إلا شاعرة.
لا معالم كثيرة تصنع سيرة أليخاندرا، لا
أحداث ولا وقائع. سيرتها تكاد تكون خلواً من ملامح السيرة. كلّ ما في
سيرتها أنها ولدت في بيونس أيرس، عاصمة الأرجنتين عام 1936، بدأت الكتابة
في العشرين من عمرها، درست الأدب والرسم وعاشت أربعة أعوام في باريس ترجمت
خلالها مختارات من شعراء فرنسيين من أمثال: أنطونان آرتو، هنري ميشو، إيف
بونفوا، إيميه سيزير... في العام 1972 أنهت حياتها بعدما أصاب اكتئابها
منها مقتلاً. ولعلّ ما يمكن أن يضاف إلى سيرتها أن والديها من اليهود الروس
المهاجرين، والدها مات شاباً وأصيبت أمّها بحال من الاكتئاب الشديد. أما
دواوينها فمنها: "الأرض الأشدّ غربة" (1955)، "البراءة الأخيرة" (1956)،
"المغامرات المفقودة" (1958)، "شجرة ديانا" (1962)، "الأعمال والليالي"
(1965)، "انتزاع حجر الجنون" (1968)، "جحيم الموسيقى" (1971).
عاشت أليخاندرا حياة ملؤها العزلة، داخل
منزلها، تكتب وتنام قليلاً وتستقبل بضعة أصدقاء كانوا يكسرون عزلتها
الشديدة. كانت تضع قرب طاولتها جملة للشاعر أنطونان آرتو تقول: "يجب أولاً
أن يكون لدينا رغبة في الحياة". وكانت تحفظ جملة للشاعر هنري ميشو غالباً
ما كانت تردّدها وهي: "نحن كلّنا معاقون". هذه "الإعاقة" التي يتحدّث عنها
ميشو كانت حقيقية لدى أليخاندرا وليست روحية أو ذهنية، فهي عانت كثيراً مرض
الربو الذي جعلها أمام الاختناق. أما الألم الذي كانت تختبره فكان ألماً
في الجسد والروح. "كانت تتألّم العالم" يقول الكاتب ألبرتو مانغويل عنها.
وتقول هي: "أن تكتب هو أن تمنح الألم معنى". هذا الألم لا يمكن قصره على
الناحية الفيزيقية فحسب، بل هو يشمل الداخل، بصفته روحاً واختباراً أو
مزاجاً. الألم هذا يصبح أحياناً رديف الصمت، الصمت الذي هو الموت والحياة
واللغة نفسها، تقول: "لتكن اللغة حيث يجب على الصمت أن يكون/ صمت/ أتّحد
بالصمت...". وتقول أيضاً في السياق نفسه: "اللغة عندي ذريعة دائمة للصمت".
كانت أليخاندرا تكتب قصائدها أولاً على لوح
أسود داخل غرفتها ثم تخطّها لاحقاً على الأوراق. هذه العادة الغريبة تحتمل
الكثير من التفاسير، وقد لا تحتمل أي تفسير. فالشاعرة تعترف: "أكتب بسكين
مرفوعة في العتمة". تُرى هل سواد اللوح يمثل العتمة هذه والطبشور الأبيض
السكين؟ تقول في قصيدة أخرى متحدّثة عن نفسها في صيغة المجهول: "اسمها
ينتظرها/ في الجهة الأخرى من الليل". وليس من قبيل المصادفة أن تختار جملاً
لشعراء ذوي أمزجة سوداء مثل جيرار دو نيرفال وغيورغ تراكل وسواهما لتجعل
منها شواهد في مطالع قصائدها. تنقل عن الألماني تراكل: "على صخور سود/
تقفز، ثملة بالموت/ العاشقة المتوقّدة، عاشقة الريح". وتأخذ عن الشاعر
وليام بلايك الذي فتن جبران خليل جبران جملته: "نقية أنا/ لأن الليل الذي
أسرني/ في قتامته القاتلة/ اختفى".
ليس من اليسير وصف شعر أليخاندرا أو إدراجه
ضمن تيار أو مدرسة. شعر كأنه كُتب ليكون خارج المدارس والتيارات أو
الموجات، بل كأنه كُتب ليكون خارج الزمن نفسه. شعر معتكر بنقاء، صافٍ
وسوداوي، هذياني في أحيان حتى ليذكّر بالسوريالية، وموجز حتى لتغدو قصائد
كثيرة أشبه بلقطات كثيفة وشفّافة. ولعلّ نظرتها إلى شعرها قد تعبّر خير
تعبير عن تجربتها إذ تقول: "خطرت لي فكرة عن نوع أدبي يمكنه أن يلائم
قصائدي وأعتقد أنه من نوع المقاربات". وتوضح في نصّ آخر أن القصائد هي
"مقاربات شعرية". قد تكون هذه الصفة من الصفات الممكنة جداً التي تُطلق على
شعرها. فعالمها مزيج من الصوفية والعبثية والسخرية السوداء والروحانية
والسوريالية والواقعية والتجريد...
كانت أليخاندرا ترى العالم مكاناً مشوّهاً
وكئيباً وفارغاً: "عالجني من الفراغ" تقول، أو "الولادة فعل مفجع" مذكّرةً
بتشاؤم أبي العلاء المعري. لكن هذا العالم كان يثير فيها القلق مقدار ما
يثير "الجذل" والضحك والعبث: "معها هي التي أنا، معي أنا التي هي والتي
أنا، بيني أنا وهي التي أظنّها أنا، هي التي تملك ظلّي". قرأت أليخاندرا
الكثير، قرأت الشعر العربي - الأندلسي مثلما قرأت الشعر الصوفي الإسباني
(القديس يوحنا الصليب، الراهبة خوانا) والشعر السوريالي وقرأت كيفيدو
ورامبو وجورج باتاي وهنري ميشو وإيف بونفوا وسواهم... وهؤلاء تركوا أثراً
ولو خفراً فيها. صادقت الكاتب الفرنسي أندريه بيار دومانديازغ الذي كتب
إليها يقول: "أقرأ دوماً قصائدك وأقرأها للآخرين وأحبّها". وصادقت الشاعر
المكسيكي أوكتافيو باث (حائز "نوبل") الذي وضع مقدّمة لديوانها "شجرة
ديانا" شارحاً رمز هذه الشجرة الأسطورية قائلاً: "منتصبة في وجه الشمس،
تعكس شجرة ديانا أشعّتها وتجمّعها في نقطة مركزية تُدعى القصيدة التي تحدث
دفئاً مشعّاً قادراً على أن يحرق وأن يذيب...". ولم يتوانَ عن وصفها بهذه
الشجرة الشفّافة "التي تملك ضياءها الخاص، البارق والسريع" والتي "لا ظلّ
لها". أما الشاعر الأرجنتيني روبرتو خواريز فكتب عنها قصيدة عنوانها "في
ذكرى أليخاندرا".
عبّرت الشاعرة أليخاندرا بيزارنيك هذا
العالم بخفّة الظلّ أو البرق، لكنها تركت شعراً حقيقياً، وقصائد فريدة
تشبهها في لطافتها ووحشتها هي "المسافرة بكأس فارغة" كما تصف نفسها.
في الصفحة المقابلة -مختارات من شعرها
مترجمة عن الفرنسية من كتاب "الأعمال الشعرية" الصادر لدى "دار أكت سود"
(باريس) مع مقدّمة لأوكتافيو باث وأخرى لألبرتو مانغويل. وقد نقل القصائد
من الإسبانية إلى الفرنسية سيلفيا بارون سوبرفييل وكلود كوفون.
زمن
لا أعرف من الطفولة
إلا خوفاً مشعّاً
ويداً تجذبني
نحو ضفّتي الأخرى.
طفولتي وعطرها،
عطر عصفور متملّق.
أزرق
يداي تنبتان في الموسيقى
وراءها الأزهار
ولكن الآن
لماذا أتقصّاك، أيها الليل
لماذا أنام مع موتاك؟
لا شيء
الريح ترقد في جرحي
الليل يستجدي دمي.
حجّ
إلى إليزابيث أزكونا كرانول
ناديت، ناديت مثلما تنادي
الغريقة السعيدة
الأمواج المعذّبة
التي تعلم الاسم الحقيقي
للموت.
ناديت الريح،
بحتُ لها برغبتي في أن أكون.
لكنّ عصفوراً ميتاً
يحلّق نحو اليأس
وسط الموسيقى
عندما تقطع
ساحرات وأزهار
يد الضباب
يموت عصفور يدعى أزرق.
هذه ليست العزلة بجناحَيْن
ولكن صمت السجينة،
ولكن صمت العصافير والريح،
ولكن العالم المُستاء من ضحكي
أو حرّاس الجحيم
الذين يمزّقون رسائلي
ناديت، ناديت
ناديت أبداً.
شجرة ديانا
(مقاطع)
قفزت من نفسي حتى الفجر
تركتُ جسدي على مقربة من الضوء
وغنّيت حزن ما يولد
*
لا شيء سوى العطش
والصمت
ما من لقاء
احترس أيّها الحبّ احترس
من الصامتة في الصحراء
المسافرة بكأس فارغة
احترس من ظلّ ظلّها
*
أن أشرح بكلمات هذا العالم
أنّ مركباً انطلق منّي حاملاً إيّاي
*
تقول إنها لا شيء تعرفه عن الخوف عن الموت عن الحبّ
تقول إنها تخاف الموت والحبّ
تقول إنّ الحبّ هو الموت هو الخوف
تقول إن الموت هو الخوف هو الحبّ
تقول إنها لا تعرف
(معرض غويا)
ثقب في الليل
يجتاحه فجأة ملاك
*
تبتعدين عن الأسماء
مقتفية صمت الأشياء
*
في ما وراء كلّ منطقة محرّمة
مرآة لشفافيَّتنا الكئيبة
عشّاق
زهرة ليست في منأى عن الليل
جسدي الأبكم
يتفتّح
في الإلحاح الرهيف للندى
لقاء
أحدهم يقع في الصمت ويهجرني.
الوحدة الآن ليست وحيدة.
تتحدّثين كما الليل
تنبئين عن نفسك كما العطش.
معنى غيابه
إذا تجاسرت أنا
على النظر والكلام
فإنما بظلّه
متوحّدة بلطافة
باسمي
هنالك بعيداً
في المطر
في ذاكرتي
بوجهه
الذي يحترق في قصيدتي
ويُشيع بالسحر
عطر
وجهٍ محبوبٍ مفقودٍ
فردوس أخضر
كم غريبةً كنتُ
عندما في جوار الأضواء البعيدة
جمعت كلمات نقيّة كل النقاء
لأخلق ألواناً من الصمت الجديد
قبل
إلى إيفا دورل
غابة موسيقى
العصافير ترسم في عينيّ
أقفاصاً صغيرة
قلب الموجود
لا تسلّمني
يا منتصف الليل الكئيب جداً
إلى الظهيرة البيضاء النجسة
صمت
الموت مجاور دوماً.
أسمع كلامه.
لا أسمع إلا نفسي.
سراج أصمّ
الغائبون يلهثون وكثيف هو الليل.
الليل بلون جفني الميت.
الليل بلون جفني الميت.
طوال الليل أصنع الليل.
طوال الليل أكتب.
كلمة كلمة أكتب الليل.
طوال الليل أكتب.
كلمة كلمة أكتب الليل.
افتداء
إلى أوكتافيو باث
إنها دائماً حديقة الليلك في الجهة الأخرى للنهر.
إذا سألت الروح: أبعيدة هي الحديقة؟
سيكون الجواب: في الجهة الأخرى للنهر،
ليس النهر هذا، بل ذاك الذي هناك.
إذا سألت الروح: أبعيدة هي الحديقة؟
سيكون الجواب: في الجهة الأخرى للنهر،
ليس النهر هذا، بل ذاك الذي هناك.
على مثال "أناشيد مالدورور"
تحت فستاني يشتعل حقل من أزهار جذلة مثل أطفال منتصف الليل.
لهاث الضوء يهبّ في عظامي عندما أكتب كلمة أرض.
كلمة، أو مثول، كلمة تليها حيوانات عطرة،
حزينة كنفسها، جميلة كالانتحار.
كلمة تحلّق فوقي مثل سلالة من شموس.
كلمة، أو مثول، كلمة تليها حيوانات عطرة،
حزينة كنفسها، جميلة كالانتحار.
كلمة تحلّق فوقي مثل سلالة من شموس.
في تمام الفقدان
الرُّقى تتصاعد من قلب قصيدة ليست مكتوبة لأحد. أتكلّم مع الصوت الذي
هو وراء الصوت وأنشئ نغمات البكاء، السحرية. نظرة زرقاء تضفر
قصيدتي بهالتها. أيتها الحياة، حياتي، ماذا فعلت بحياتي؟
هو وراء الصوت وأنشئ نغمات البكاء، السحرية. نظرة زرقاء تضفر
قصيدتي بهالتها. أيتها الحياة، حياتي، ماذا فعلت بحياتي؟
النظر إلى العشب محرَّم
أيّها التمثال العاري بين الأنقاض.
لقد أشعلوا الواجهة تاركين إيّاك في
وِضْعَة ملاك متحجّر. لا أتخيّل: ما أقوله هنا هو
محاكاة للطبيعة، طبيعة صامتة.
أتكلّم على نفسي طبيعياً.
ملصق
أجهدت نفسي كثيراً
لأتعلّم أن أقرأ
في دموعي
حبور
شيء ما سقط في الصمت.
نغمة من جسدي.
كلمتي الأخيرة كانت "أنا"،
لكنني كنت أتكلّم على الفجر المُشرق.
نغمة من جسدي.
كلمتي الأخيرة كانت "أنا"،
لكنني كنت أتكلّم على الفجر المُشرق.
الخطى الضائعة
كان ضوء من قبل
في لغتي التي ولدت
على بعد خطوتين من الحبّ.
ليلٌ مشرعٌ. ليلٌ مثولٌ.
في عيد ميلادك
تلقَّ هذا الوجه، وجهي، صامتاً، مستعطياً.
تلقَّ هذا الحب الذي أسألك عنه.
تلقَّ ما هو أنت فيّ.
الفاقة
لا أعرف العصافير،
لا أعرف تاريخ النار.
ولكن أظن أن عزلتي ستكون لها أجنحة.
أرمدة
لقد قلنا كلمات
كلمات قلناها لنوقظ الموتى،
كلمات لنشعل ناراً،
كلمات يمكننا أن نجلس بينها
ونبتسم.
لقد اخترعنا موعظة
العصفور والبحر،
موعظة الماء،
موعظة الحبّ.
لقد ركعنا
وعبدنا جُمَلاً طويلة
مثل تنهد النجمة
جُمَلاً مثل الأمواج
جُمَلاً ذات أجنحة
لقد اخترعنا أسماء جديدة
للنبيذ والضحك،
للنظرات ودروبها
الرهيبة.
الآن وحدي أنا
- كمثل امرأة بخيلة تهذي
على جبل من ذهب -
مطلقة الكلمات صوب السماء،
لكنني وحدي
ولا أقدر أن أقول لمحبوبي
هذي الكلمات التي أعيش لها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق